هلوسات طلابية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

هلوسات طلابية

مُساهمة من طرف الحر في الخميس فبراير 26, 2009 6:04 pm

قالت: (إنها الفضاء الواسع الذي سيخرجنا من مرارة الأيام الماضية، إنها الباب الواسع الذي سننفتح فيه على العالم. ستنمو مواهبنا خلال مرورنا بمرحلتها، سنبتعد عن الوصاية التي لازمتنا منذ طفولتنا، سنخرج من الترتيب التقليدي للاستيقاظ الصباحي، هناك الوقت مُلك يدينا، وعلى مداره سنصوغ ما حلمنا به، لننتقل بعدئذ إلى ملامسة جراح الواقع!).
هذه الأفكار لم تكن تراود ذهنها هي فقط, بل تراود أذهان جميع تلاميذ المرحلة الثانوية المتطلعين للالتحاق بالجامعة، وهم الذين سمعوا الكثير عن فضائها الرحب، وحاولوا أن يبعدوا عن آذانهم ما يمر من كلام عن صعوباتها. فالصورة يجب أن تبقى جميلة ويجب ألا يشوبها أي تعكير يخلّ بتناسقها المصنوع من تلك المخيلة النفاذة.
أيام قليلة وتبدأ تلك الأمور واضحة تحت عين المجهر، والبعيد المتخيل أصبح محسوساً وملموساً, فبعد أن يظفر أحدهم بالتسجيل ويصبح (وفق ما هو متعارف عليه) طالباً جامعياً تبدأ مجموعة من التساؤلات التي تتضخم على مدار الحياة الجامعية لتنفجر عند الخروج منها، ولتعبر عن ثقلها على الملأ.
هناك قسمان في السكن الجامعي بدمشق: الأول في الطبالة، والثاني في المزة التي تضم وحدات للشباب والبنات. بينما تعزف وحدات الطبالة لحن العتابا لشبابها المتصوفين عن جنة المزة التي يعيش فيها نصفهم الآخر. أما والحق يقال فالقسمان (الطبالة- المزة) على الحال نفسها من حيث الخدمات المتردية وأعمال الصيانة التي لا تنتهي، والنظافة التي تشكل العامل الحاسم ليكفر الطالب بذلك السكن وبالقسط الزهيد (على حد تعبيرهم) الذي يدفعه.
وعند ولوج الطالب المستجد الفناء الواسع والوصول إلى مستودع الوحدات السكنية يقابل أمين المستودع، ويستلم منه (فراشاً وبطانية ومخدة) ويشهد البعض بأنها عاصرت إحدى الحروب. فقد عشّشت فيها الروائح الغريبة التي يعجز أي عطار عن تحليل تركيبتها. يتوجه الطالب وقد عقد العزم على اقتحام غرفته ليتفقد أثاثها وتأثيثها، فهي ملاذه خلال العام ولينكفئ على دراسته وينظم سهراته بصحبة رفاقه القادمين معه من محافظته: ومن هذه اللحظة إلى خمسة عشر يوماً يظل يدور في خلده معارك طاحنة، من جهة مع الذين كانوا قاطنين سابقين وجاءهم كضيف ثقيل، ومن جهة ثانية مع طلاب سبقوه باستلام الغرفة وافترشوا أرضها ورسموا على بابها عبارات مختلفة تشي بقوتهم, مركزة على مصطلحات مستمدة من ثقافتهم العالمية، ألا وهي (باب الحارة بنسخته الثالثة). وتستمر الأمور على هذا حتى يستقر في النهاية مع من يألفهم).
(هذا الأمر ليس مهماً, فنحن لن نمضي سوى الليل في الغرفة. أما في النهار فسنجوب شوارع دمشق وأحياءها القديمة وحدائقها التي طالما تغنى بها رفاقنا الذين سبقونا إليها) هذه المونودراما التي تدور بين الطالب وذاته والتي تتلخص في الاهتمام بالمحاضرات الأولية التي منها ما سينعكس في مفهومه لفرعه الذي كان مجهولاً من قبل (وهذا ينطبق على الكثيرين).
وللوهلة الأولى يبدو المشهد من الخارج جميلاً جداً. فحركة الجامعيين، وقعدات المقصف المزدحم بالطلبة، ورسائل البلوتوث المتجاوبة مع النظرات الخاطفة المتبادلة بين الجنسين، ومع الدخول إلى أحد الأماكن الثلاثة (القاعة، المدرج، المسرح) تبدأ الصورة المغايرة للخارج. فالمقعد المدرسي في أيام الثانوية كان يحتضن اثنين ويحمل في درجه أسرار الصديقين. أما الآن فالمقعد مشترك وطويل ولا ملكية خاصة لأحد فيه, فهو محجوز للذي يصل أولاً. إضافة إلى ذلك يبدو أن ليس المقعد هو الوحيد الذي يخصص للجلوس، فهنا مسموح لك أن تجلس على الدرج وحتى أن تجانب الدكتور على المنصة والفارق أنه هو واقف وأنت جليس الأرض تنظر إليه حتى تشعر بانفصال رقبتك عن رأسك.
وما أضاف عبئاً على كاهل المستجدين هو القرار الستيني(بحسب تعبير الطلاب)، فعلامة النجاح بعدما كانت 48+2 أصبحت 60. وفي حينها قيل إنها ستطبق على الكليات التطبيقية وأدرج من ضمن تلك الكليات مثلاً الاقتصاد التي ما يزال الكثيرون يتساءلون عن كيفية تضمنيها في القرار الستيني، وتكثر الأسئلة مع نتائج الطلاب الأخيرة التي ترسم علامات استفهام حول نسبة الرسوب في بعض المواد.
وإذا انتقلنا إلى المفاصل الأساسية وهي المناهج والتجهيزات والمراجع, فيكفي أن نورد شهادة حية لرئيس قسم الاتصالات البصرية في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق الدكتور عبد الناصر ونوس في حديثه لصحيفة (الحياة) إذ يقول في معرض حديثه عن مشاريع التخرج: (يملك طلابنا كل مقومات النجاح، ولا يقل حضورهم عن أي طلاب في أكاديميات أخرى، فهم قادرون على تحمل المسؤولية على عكس ما هم متهمون به، ونحن نشعر بالتقصير أمام إبداعهم لأن الجامعة لا تقدم لهم الأدوات الكافية لترجمة إمكاناتهم). هذا الاعتراف باهتمام الطالب السوري(على وجه العموم) يقابله أحياناً مزاجية غريبة الأطوار من بعض الدكاترة تصل أحياناً إلى المشاحنات الكلامية مابين الطلاب والدكاترة(راجع نشرة (كلنا شركاء) وصحيفة (تشرين): طلاب الإعلام (منبطحاً)).
ما نقلناه هو غيض من فيض، ومع هذا يجد الطالب السوري المبتدئ في الجامعة(رغم الصورة المتكونة عنه)الكثير الكثير ليتعلمه وليسبر أغواره في ما يدعى (المدينة) بطقوسها وبسكانها وبعاداتها المغايرة لما اعتاده كثيرون في للقرية الصغيرة البعيدة في متن الجنوب أو أعالي الشمال, وقد يكون للحديث بقية.


بقلم سامي ابو عاصي
avatar
الحر
عضو مشارك
عضو مشارك

عدد الرسائل : 65
العمر : 38
تاريخ التسجيل : 19/01/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى